النويري

49

نهاية الأرب في فنون الأدب

فانطلقت شرقا وغربا وعادت مسرعة ، فقالت : يا نبىّ اللَّه ، هلكت الأرض ومن عليها ، وأما الماء فإني لا أراه إلَّا ببلاد الهند ، ولم تبق على وجه الأرض شجرة إلَّا الزيتون ، فإنّها على حالها . فأوحى اللَّه تعالى إلى نوح : * ( اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) * فخرج من السفينة وأخرج من فيها ، وأعاد اللَّه الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأشجار والنبات كما كانت ، وتفرّق الوحش والسباع والطيور وغيرها في الأرض ؛ وأمر نوح فبنيت قرية في أسفل جبل الجودىّ وسمّيت ( قرية ثمانين ) على عددهم . قيل : هي الجزيرة ؛ وهى أوّل قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطَّوفان ثم قسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة : سام وحام ويافث ، فأعطى سام الحجاز واليمن والشأم ، فهو أبو العرب ، وأعطى حام بلاد المغرب فهو أبو السّودان وأعطى يافث بلاد المشرق ، فهو أبو الترك . ثم أوحى اللَّه - عزّ وجلّ - إلى نوح أن يردّ التابوت إلى المكان الذي أخذ منه ، فردّه . ذكر خبر دعوة نوح على ابنه حام ودعوته لابنه سام قال : ولما استقرّ الأمر قال نوح لبنيه : إني أحب أن أنام ، فإنني لم أتهنّأ بالنوم منذ ركبت الفلك . فوضع رأسه في حجر ابنه حام ، فهبّت الريح فكشفت عن سوءته ، فضحك حام ، وغطَّاه سام ؛ فانتبه فقال : ما هذا الضحك ؟ فأخبره سام ، فغضب وقال لحام : أتضحك من سوءة أبيك ؟ غيّر اللَّه خلقتك ، وسوّد وجهك . فاسودّ وجهه لوقته . وقال لسام : سترت عورة أبيك ، ستر اللَّه عليك في هذه الدنيا ، وغفر لك في الآخرة ، وجعل من نسلك الأنبياء والأشراف ، وجعل من نسل حام الإماء والعبيد ، وجعل من نسل يافث الجبابرة والأكاسرة والملوك العاتية .